ابن أبي الحديد

165

شرح نهج البلاغة

رسول الله ، استخلفت على الناس عمر ، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه ، فكيف به إذا خلا بهم ، وأنت غدا لاق ربك ، فيسألك عن رعيتك ! فقال أبو بكر : أجلسوني ، ثم قال : أبالله تخوفني ! إذا لقيت ربى فسألني ، قلت : استخلفت عليهم خير أهلك . فقال طلحة : أعمر خير الناس يا خليفة رسول الله ! فاشتد غضبه ، وقال : أي والله ، هو خيرهم وأنت شرهم . أما والله لو وليتك لجعلت أنفك في قفاك ، ولرفعت نفسك فوق قدرها ، حتى يكون الله هو الذي يضعها ! أتيتني وقد دلكت عينك ، تريد أن تفتنني عن ديني ، وتزيلني عن رأيي ! قم لا أقام الله رجليك ! أما والله لئن عشت فواق ناقة ، وبلغني أنك غمصته فيها ، أو ذكرته بسوء ، لألحقنك بمحمضات قنة ، حيث كنتم تسقون ولا تروون ، وترعون ولا تشبعون ، وأنتم بذلك الحجون راضون ! فقام طلحة فخرج . * * * أحضر أبو بكر عثمان - وهو يجود بنفسه - فأمره أن يكتب عهدا ، وقال - اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد عبد الله بن عثمان ( 1 ) إلى المسلمين ، ثم أما بعد ، ثم أغمي عليه ، وكتب عثمان : قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، وأفاق أبو بكر فقال : اقرأ فقرأه ، فكبر أبو بكر ، وسر ، وقال : أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي ! قال : نعم ، قال : جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله ، ثم أتم العهد ، وأمر أن يقرأ على الناس فقرئ عليهم ، ثم أوصى عمر ، فقال له : إن لله حقا بالليل لا يقبله في النهار ، وحقا في النهار لا يقبله بالليل ، وأنه لا يقبل نافلة ما لم تؤد الفريضة ، وإنما ثقلت موازين من اتبع الحق مع ثقله عليه ، وإنما خفت موازين من اتبع الباطل لخفته ، عليه إنما أنزلت آية الرخاء مع آية الشدة ، لئلا يرغب المؤمن رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له ، ولئلا

--> ( 1 ) في تاريخ الطبري 4 : 52 : " أبو بكر بن أبي قحافة " .